|
الحاشية
:
" الإبداع كهويةٍ مطلقة
، جنين خرج من رحم التساؤل
. فإذا سلمنا بذلك فلابد للنتاج الإبداعي من أن يحمل
مورثات تلك الأسئلة، وأن يسلك طريقاً يحاول من خلاله
استنباط أسئلة أخرى وإجابات
.
سلسلة متعاقبة من الطرح والنقاش بأدوات وقوالب شتى تصقل من
خلالها مقومات المتلقي والفنان من الحس والإدراك
.
هذا باختصار
، و من خلال تجربتي الضوئية البسيطة و التي امتدت لأكثر من
عشرين عاما كان لي بالغ السعادة بتأثر فناننا بها
، ما يمكنني أن أسميه أسلوب مبدع هذا الكتاب الفنان أحمد
ماطر منذ بداياته
. "
بسم الله الرحمن الرحيم
المتن
:
في نطاق النتاج الإبداعي عمومًا ، لا يمكن في الغالب
الوصول إلى فهم عميق لأدوات وأساليب أشكال مختلفة من
الفنون
. ذلك
، لأن المواقف من تلك الفنون تتشاكل
، بل وأحياناً تتناقض
. وفناننا ماطر
، يخرج وبجرأة عن أطر هذه القاعدة
، ليقدم لنا ما يمكن أن يكون مزيجا من حماس الشباب ، عاطفة
الفنان و فكر الفيلسوف
.
فمنذ بداياته التشكيلية وهو يسعى بسليقة الفنان الحر
بالتساؤل ليدهش متلقيه بوجبةٍ أخرى من التساؤلات المتعطشة.
هو لا يسعى إلى تكوين قوالب جاهزة من الإجابات، فربما كان
مجرد الموقف الذي يحمل تساؤله إجابة، وربما كان ما يبثه من
خلال عمله في روح المتلقي من شعور، هو بحد ذاته إجابة. و
تجربة الفنان ماطر هنا، لم تنكفئ على نفسها، بل ظهرت مرارا
و تكرارا و أبرزت إعلاميا و لقيت ما تستحق من الإشادة و
الإعجاب
.
و دون أن تتوقف عجلة تساؤلاته أو تفتر، نجد فناننا الأستاذ
أحمد يقتحم مع مجموعته الشابة "
شتّا
" عالماً آخر أشد جرأةً وأكثر وقعاً بتساؤلاته .
نتاج يذهل إدراك المتلقي ويتصادم مع مسلماته في قوالب لا
تحكمها أُطر تقليدية . نتاج يطلق العنان للمتلقي في
أن يقع ضمن سيل الأسئلة المتواترة التي لا تنقطع
.
إذن نحن بصدد نظرة فنية فلسفية يمكن أن يكون لها منطلقاتها
وأسسها. فلسفة قائمة على موقف ذلك الفنان الأول الذي لا
نعرف ما الذي أحدثه : صوتـًا ، حركة ، أم شكلاً ؟ كل الذي
نعرفه، أنه كان حراً في أن يترجم دواخله كيفما شاء وأنى
شاء وبالطريقة التي تتناسب فطرياً ومكنوناته . فلسفة ،
ربما أشبعت نتاج مبدعنا التشكيلي و الضوئي على حد سواء.
نتاج "
شتّا
"، شيء من الصعب تأطيره . نتاج لا يفترض للإطار معنى ما،
لذلك لا توظفه في الغالب. نتاج يحكم نفسه من الداخل من
خلال الطرح الاستفهامي المفهومي
Conceptualعلى
المتلقي . هي شيء من التجريب الفني الخالص، هدفه ربما
تشكيل التساؤل، لا التساؤل بالتشكيل. و هي بهذا تحمّل
متلقيها مسؤولية ذلك التساؤل، و حمله معه، حتى دون شرط
تواجد نتاج محدد معلوم و محسوس أمامه. عليه، فربما أكملت
هذه الفلسفة تأطّرها ولو بشكل ما أو بقدر ما، عن طريق
متلقيها لا عن طريق مبدعيها. و حق لمن يقف منها موقف
المتلقي، أن يعتبرها ضرب من الفن الموضوعي.
و مما لا شك فيه ، أن لدراسة الدكتور أحمد أثر في كل ذلك ،
و ربما تأثر . فهو دارس للطب
Medicine
، و حاصل على الشهادة
MBBS.
ولا أشك في أن لممارسته المهنة دوراً أشد تأثيرا من دراسته
. فالطب تطبيق لفرضيات ، و الفرضيات تقبل التعديل بفرضيات
أخرى أكثر قدرة على تقديم العون/ الإجابة للإنسان . و متى
ما توقف التساؤل ، توقفت الفرضيات و توقف معها ذلك التطور
المستمر .
أما في دنيا الضوء
Photography
( مادة هذا الكتاب ، و النقطة التي تجمعني بمبدعه ) ،
فأرجو أن لا أسلبه شيئاً من حقه. الضوء في عالم مبدعنا، و
كما أرى ، يشكل الضلع القائم للمثلث الذي كوّن قاعدته
التشكيل و وتره "
شتّا
". فقد جاء الفنان أحمد، أسلوباً
Styleوتطرقاً
Interpretation
ونتاجا ًWork
، شكلاً آخرَ حُراً من تشكلاته الفنية. العلاقة هنا، أحد
روافد "
شتا
".
أعماله، صورة رائعة من الانضباط الحرّ . وأنى له أو لسواه
عند تحليقه في دنيا الضوء الحر
Photography
إلا أن يكون منضبطاً لقوانينه ومسلماته وأسسه ، وإلا لما
كان ضوءً حراً . لم يقترف مبدعنا تلك الأشكال المهجنة
والتي لا تنتمي إلى وسط فني معلوم، لم يوظفها وان كان من
حقه. لكنه لم يتخل عن تساؤلاته، فهو يقدمها من خلال ضوئه
الحر. في كتابه الأول ، هذا ، يبدو ماطر باديء الأمر أنه
يقدم إجابات لا تساؤلات . لكن وإن كانت كوادره محدودة
بمحتوياتها ( كما هي الصورة في أروع تجلياتها ) ، إلا أنها
تثير أسئلة شتى وخيالات خارج الأطر التي احتوتها من خلال
ما لمضامين أعماله هنا من صلة وثيقة بتساؤلاته الفطرية
البكر .
تجربة "
الأرض من السماء
" لا زالت تجربة بكرًا . نعم ، تم التطرق إليها في
مكان ما و بشكل ما، آخر. لكن لكل عروس عرسها وهندامها
وروعة وهبها خالقها تتجلى من خلالها . و " عسير من السماء
Aseer From The Sky
" ، من هذا القبيل، هو تجربة ٌ محض بكر ، و لم يسبق لمثل
هذا الكتاب سابقة .
و على النطاق الإقليمي للوسط الضوئي و نتاجه ، و من خلال
ما شَرُفْتُ بتحكيمه من مسابقات ضوئية إقليمية و محلية، و
ما اطلعت عليه من معارض ، فان ما يقدمه مبدعنا من خلال هذا
الكتاب( و هو جزء من تجربته الضوئية ) يمثل مستوى حرفي
Level Of Craft
لم يتأت لسواه من أقرانه من الفنانين. هذا الكتاب(
التجربة ) يستمد تميزه من فرادة منظور أعماله أولا، و
مستواها الحرفي ثانيا، و ذلك التساؤل الجلي الذي يغشى كل
تشكلات نتاج فناننا ثالثا .
و التصوير الجوي
Arial Photography
( التطرق العام لهذا الكتاب ) ، يحتم التواجد في نقطة رؤية
Point Of View
عالية، بالطبع . ذلك التواجد ، يفترض الكشف و الرؤية
الكلية و تسطح المنظور ، و كل ذلك مدعاة للمصور الفنان أن
يتقمص دور المصور التسجيلي، لا دور الفنان المبدع . فإذا
أضفنا ما للعدسة من شمولية الرؤية لما أمامها ، و قارنا
ذلك بتجريدية
Abstractive
الرؤية في كوادر فناننا فيما يقدمه هنا و تناسق التكوين
Composition،
لأدركنا أن تجربة كهذه ، تصل لمستوى حرفي كهذا، لم يكتب
لها النجاح من عبث .
و بعد
، فقد كان لي بالغ الشرف ، أن أقدّم هذا المبدع و هذه
التجربة بكليتهما ، كفنان ضوئي أبدع ضوءًا و حرية و
تساؤلاً. و لولا إصرار الأخ الفنان الدكتور أحمد ماطر،
وفاءً منه قل نظيره، و موقفا أعجز عن مضاهاته به ، لما
أقدمت على ذلك . جعلني الله عند حسن ظنه ، و بارك له في
وقته وعمله . و ختاما
، أن الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف
أنبيائه المرسلين
. |