|
حين يقف الفنان أمام
موضوعه وجها لوجه .. يتأمله .. يدرسه
.. يسائله
.. وينصت إليه .. هذا
يعني أنه على موعد لملاقاة العالم ..
مستجيباً لحركة الحياة وإيقاعها
الجمالي الأقصى . ففي كل مرة ينتهي
الفنان من عمل فني .. يصر على أن يبدأ
رحلة البحث عن الجمال مرة أخرى ..
وكأن تلك البدايات لم تروِ طموحه ..
ولم تكن كافية ككل النهايات التي لا
يقبل بها التاريخ . أعتقد أن الفنان
يملك جسدا وروحا متطلعة لما يشبهها ..
فعندما يضيء لوحة ما .. فهو يعلم بأن
هذا الضوء سيصل إلى القلوب لا محالة
.. تماما كما يعلم التائه في الصحراء
بأن إشعال النار .. هو الدليل الأكبر
على وجوده حيا .
« الثقافية » التقت
بالفنان والطبيب أحمد ماطر عسيري في
معرض صور فوتوغرافية وتشكيلية افتتحه
السفير السعودي في لندن الأمير محمد
بن نواف بن عبد العزيز في مبنى
السفارة. إقامة هذا المعرض جاءت نتيجة
احتفاء المتحف البريطاني بفعالية ضخمة
بعنوان « الشرق الأوسط الآن » حيث
شارك أحمد ماطر بأول لوحة سعودية
يقتنيها المتحف ويختارها كتعبير جمالي
يعكس جانبا ثقافيا هاما للفن المعاصر
بالسعودية، بالإضافة إلى تداخل مهنة
الطب بإتقان في صميم العنصر الحسي
للوحته المختارة بعنوان « عواطف معدلة
وراثيا » .
هذا الجمع في بنية
ماطر الإنسانية بين الطب والتصوير
والتشكيل بدا واضحا في معظم أعماله
بحيث لا يمكن عزلها عن بعضها البعض أو
فصلها بحجة التخصص. وما يقدمه هذا
الفنان عبارة عن نسيج واحد.. متشابك
ومصبوغ بألوان ذات قيمة مطلقة ومثقلة
بشحنة انفعالات صافية ورائقة ومتصالحة
تماما مع روح لوحاته .. وفق رؤيته ..
وتجربته الخاصة .
|
بداية الضوء .. بين
«
رجال ألمع » .. و« المفتاحة » |
|
 |
لم ينشأ أحمـد
ماطـر في مدينة تبوك التي ولد
بها عام 1979م بل عاش طفولتـه
المبكـرة في كنف قبيلة « رجال
ألمع » التي ينتمي إليها ..
والتي يطلق عليها أيضا « عسير
تهامة » وتشكل حوالي ثلثي
عسير وتقع في الجهة الغربية
منها، حيث الطرق الملتوية
وحدها هي التي يمكنها أن تؤدي
إلى المكان . |
« رجال ألمع » قبيلة
ضاربة في
التاريخ .. خضراء .. متدلية من أعلى
الجبال .. ذكرها ابن حزم في « جمهرة
انساب العرب » .. وذكرها ابن عبد ربه
الأندلسي في « العقد الفريد » كما
أورد نسبها السويدي في
كتابه «سبائك الذهب في
معرفة قبائل العرب».. هذه المنطقة
لازالت بكرا وينعم أهلها بالعفوية ..
ولقد اشتهرت كثيرا بالرسم داخل
المنازل والزخرفة اللونية والزاهية،
كما يزينها النقش بمختلف أنواعه مثل
الختام والعمري والمحاريب. ولهذا ربما
تعلّق ماطر بها.. وظلّ حتى الآن
يستعيد ملمس حجر «المرو» وأغاني «الربخة
والمزمار» وأصوات الطيور.. الأغنام..
وأناشيد الرعاة فجرا.. وكذلك لم ينسَ
طعم عسل صافٍ تنتجه أشجار السدر التي
يعتني بها جدُّه وعائلته التي ما تزال
تعيش هناك حتى الآن. أما ماطر فقد
غادرهم لمستقبل آخر ينتظره في أحضان
قرية «المفتاحة» .. وهي قرية ثقافية
تأتي كجزء من (مركز الملك فهد
الثقافي) كأول مشروع من نوعه في
المملكة يحتضن ويرعى الفنون التشكيلية
والفوتوغرافية .. الصناعات .. الحرف
.. والمهن اليدوية والمحلية .
يذكر ماطر تلك الصدمة
البصرية الأولى التي جعلته يهتم
بالشأن الضوئي وذلك منذ الصغر وحين
عاد بعض الأشخاص من مكة بعد فريضة
الحج إلى القرية محملين بألعاب
تذكارية وهدايا رمزية .. كان أحدها
عبارة عن علبة حمراء صغيرة على شكل
كاميرا.. تعرض صورا جاهزة للمسجد
الحرام والمسجد النبوي عن طريق النظر
بعين واحدة إلى داخل عدستها
البلاستكية، وحاول ماطر أن يشرح لي
هذه العلبة كما يتذكرها.. ولكنني طلبت
منه التوقف عن الشرح فجأة .. فالغريب
أنني كنت أمتلك عددا منها حين كنت في
ذات العمر.. ولأنني كنت أشعر بحاجتي
إلى أن أخرج هذه الصور من الداخل..
فهذا بالطبع كان يكلفني في كل مرة كسر
كامل العلبة وتهشيمها.. ومن ثم الحلم
بلعبة جديدة تخرج لي صورا ملونة.. ولا
تحتفظ بها داخل الصندوق فقط .
بلا شك أن المصالحة
التي حاول أن يعقدها ماطر بين القرية
والمدينة التي انتقل إليها سريعا كان
لها عميق الأثر في تكوين شخصيته، خاصة
حين اضطر أن يستبدل حياة فطرية بحياة
صاخبة ومزدحمة بأصوات السيارات
والحافلات وزخم المباني الجديدة
والعصرية بكل كمالياتها .
|
رهانات ..
وعواطف معدلة وراثيًا
|
|
 |
بالرغم من
العمر الزمني القصير الذي
مارس فيه أحمد ماطر الفن إلا
أنه عرف عنه تعدد مواهبه
وقدراته .. ابتداء من التصوير
الفوتوغرافي والتشكيلي وصولاً
إلى التمكن من البحث والتجريب
والمزج بين ما يمارسه في عمله
الطبي وأدواته وتوظيفها في
الإبداع، فهو يؤمن بأن الفن
رسالة
بصرية
يمكنها أن
تتجاوز
حدود
اللغة
وأن
تصل
إلى
كافة
الحضارات
دون
قيود، كما أنها قادرة
على
تمثيل
كافة
مستويات
الوعي بالحضارة الإنسانية
وليست العربية فقط . |
|
فالرهان
على
الفن أصبح
ضرورة
في
هذا
العصر
خاصة
في
ظل
الفوضى
والارتباك
الذي
أصاب
الإنسان
في
التعامل
مع
معطيات
حياته
اليومية.
وعلى حد تعبيره فإنه يرى وجوب
فتح قنوات
للحوار
بين
الثقافات
المختلفة
والشعوب
والانطلاق
إلى
آفاق
أكثر، وذلك
باستغلال
كافة
الفرص
المتاحة
لإثبات
وجودنا
بقوة
في
كافة
المحافل
الفنية
الكبرى..
تماما
مثلما
حصل
في
معرض
« الشرق الأوسط الآن »
الذي
نظمه
المتحف
البريطاني
وكذلك
التعاون
الذي
تم
بينه
وبين
مؤسسة
« أوفسكرين »
التي
قدمت
الكثير
من
الجهود
من
أجل
إنجاح
هذا
التوجه
وخلق
مساحة
نقية
للتعاون
الفني
بين
الفنانين
في
العالم
الإسلامي
والمملكة
المتحدة . |
اسم اللوحة التي تم
اختيارها من قبل المتحف البريطاني هو
من اختيار الفنان والشاعر الفلسطيني
أشرف فياض الذي يرافق ماطر في هذه
الجولة البريطانية ويشترك معه في أكثر
من ورشة عمل يقيمها المتحف.. حيث أطلق
عليها أثناء قراءته للعمل «عواطف
معدلة وراثيا» في وقتٍ لم يكن يعلم أن
اسم هذه اللوحة سيتصدر فيما بعد صالة
عرض فنية وعالمية. وهذا ما جعل ماطر
بالنسبة لنا ليس محظوظا فنيا فقط.. بل
محظوظاً على المستوى الإنساني أيضا
لأن لديه صديق يتقاسم معه الفرح..
القلق.. السفر.. والنجاحات.
أما حين سألناه عن
الكيفية التي
تم فيها اختيار لوحته للمشاركة
في
معرض « الشرق
الأوسط
الآن » أجاب قائلا: قام
عدد
من
الفنانين
والباحثين
البريطانيين
بجولة
في
العالم
الإسلامي
ضمن
مشروع
ثقافي
يدعى
( Visions
of
islam
)
والتقوا
خلال
جولتهم
بالكثير
من
فناني
العالم
الإسلامي
وقاموا
بتصوير
أعمالهم
وإجراء
حوارات
وإعداد
ملفات
كاملة
عنهم
ثم تم عرض
الأعمال
على
عدد
من
اللجان
المختصة
في
المتحف
البريطاني
الذي
قرر
اقتناء
هذه
اللوحة
بشكل
دائم
ضمن
مقتنياته
الخاصة،
وإرسال دعوة خاصة للمشاركة
بها
في
معرض
« الشرق الأوسط الآن »
الذي
تم
افتتاحه
مؤخرًا .
استطاع ماطر أيضا أن
يخمّن في حديث طويل أجريناه معه
الأسباب الفنية التي دعت المتحف
البريطاني لاقتناء هذه اللوحة بالذات،
حيث انه اعتمد في تنفيذها على تقنيات
فن الكولاج باستخدام أشعة اكس
(X)
التي تستخدم في المجال الطبي وتوظيفها
في العمل الفني, كما أنه رأى من خلال
عمله طبيباً أن الأشعة تمثل كشفاً آخر
غير معروف علمياً لأسرار الإنسان في
العصر الحديث، فاللوحة باختصار تحاول
الغوص في أعماق الإنسان الذي حوصر
بمتغيرات العصر الحديث الفكرية
والاجتماعية والعلمية واعتمدت في
تشكيل تفاصيل اللوحة على المزج بين
وسائل تقنية حديثة ومفاهيم علمية
وثقافية من تراثنا العربي الإسلامي،
وتكشف اللوحة ضعف الإنسان وعجزه أمام
كل هذه المتغيرات .
في الحقيقة لا يمكن
لأحد أن يدفعنا لرؤية شيء لا نراه
مهما كان موجودا.. ولهذا علينا كما
تقول الحكمة أن نزيح ستار البصر
القاسي .. ونطل على الحياة من خلال
البصيرة .. يجب علينا أيضا أن لا
نكتفي بالوقوف على أعتاب اللوحة .. بل
نطرق الباب .. وندخلها بحب بعد أن
نستأذن حواسنا كلها بأن تشاركنا
اللحظة . وبهذا فقط يمكننا أن نحكم
على هذا العمل الفـني ونطلق لأنفسنا
العنان للتعبـير عنه في أكثر حالاتنا
صفاء .. وأكثر حالات العمل جذبا لنا
.. وبالدخـول إلى لوحة ماطر « عواطف
معدلة وراثيا » .. وجدتُ أن المسافات
تتلاشى بين أشعة الصدر وبين مزيج
الألوان المرتبط بها كولاجيا .. وكذلك
بين الأشعة المنبثقة من صدر الرجل
فجأة..وكلمة « اللّـه » في أعلاها..
بحيث لا نعلم أيهما بدأ بالتشكيل
أولا.. اللون أم ضوء الأشعة وأضلاعها
القابلة للتنفس خلسة !!. يبدو أن
علاقتنا بلوحات الفنان غدت ماكرة في
مشاكستها.. تجمع كل الأشياء في إطار
واحد وتعبر أجسادنا .. بحيث لا يصبح
بيننا وبينها فاصل سوى الزمن وبهجة
اللون .
|
|

|
|
«
عسير
» من السماء
..
أنثى تكتحل
بالطبيعة |
كل صورة فوتوغرافية
تمثل اللحظة الآنية للزمن الحالي ..
وبالتالي ستصبح في يوم ما تاريخا
وشاهدا على هذا العصر.. ولهذا يمكننا
اعتبار الإصدارات الثلاثة التي تمثلت
في صور أحمد ماطر عن منطقة عسير
إصدارات تاريخية .. قد تجعله مؤرخا
لهذه المنطقة بعد خمسين عاما من
الآن.. وقد تجعلنا نقف بدهشة لا تشبه
تلك التي وقفنا أمامها ونحن نتصفح هذه
الصور فور صدورها الطازج عاما بعام..
لكننا بالتأكيد سنتأمل حينها تفاصيل
عسير وملامحها الحالية التي ستصبح في
عصر آخر تراثا تستند عليه أجيالا
غيرنا .
( أن
تقتني
صورة
بحجم
أمنياتك
هو
أن
تظل
تراقب
من
بعيد
لتصطاد
ما
يدهشك .. أو أن
تمكث
مليا
بجانب
ما
يستفز
معارفك واتجاهاتك في الحياة
(هذا
ما يقوله ماطر الذي اختزل عسير
الساحرة في عالمه التصويري الصغير
الذي أنشأه من السماء .. وحاول أن
يسقط بجدارة جماليات المكان وإفرازاته
الثقافية والنفسية والاجتماعية بكتلة
لونية صغيرة تشير إلى عسير كأنثى
تستخدم مستحضرات أرجوانية.. تتزين
بالنهار.. تكتحل بعتمة الوادي.. ترتدي
شروق القمر في « السودة » .. وتسبح في
فضاء « تنومة » الخلاب.. عسير أنثى
تجرب كل يوم رداء ملونا ومزركشا
بالجبال والغيم .. وتنظر إلى نفسها من
خلال عدسة مصورها الفوتوغرافي لتختار
أي صورة تشبهها أكثر.. وفي أي لون
ستكون هي الأنثى والأرض الأجمل!
الرؤية الفنية لدى هذا
الفنان تبني نفسها على شعور عسيري
جميل، وهيمنة حسية تبحث عن تعبير آني
مباشر لوقع خطوات حقيقية زارها وفتن
بها، هذا الشعور تمثل بلغة التشكيل
مرة والتصوير مرات أخرى.. مما جعل
صاحب السمو الملكي الفنان خالد الفيصل
يرعى تجربة الماطر ويتكفّل بإصدارها
وطباعتها بالشكل والطريقة التي تمناها
وأنشدها محاولا توصيل حبه لعسير
بألوان واقعية وقريبة.. وفي الذات
الوقت مثيرة بصريا.
إعادة
صياغة
الأشياء
ليست
قانونا
فيزيائيا
بل
مجموعة
علاقات
تترك
أثرا على المدى البعيد.. فرغم تدفق
الصور بغزارة في إصدارات عسير إلا أن
الشيء المثير للجدل والملاحظ في أعمال
ماطر أنه راهن على تصوير الأمكنة من
الأعلى واستغنى تماما عن الأشخاص
الذين يعيشون على الأرض في ذات
المكان.. وكأنه يريد أن يعّلم أعيننا
درسا جديداً في الإبصار. يقول ماطر :
( قديما
كانت
الصورة
رمزا
لما
ترثه
المجتمعات
من
انساق
وأعراف
ودلالات
ثقافية
محددة
,
لكن
ثمة
شيئاً
آخر
تغير
في
وظيفة
العمل
الفني..
في
وظيفة
الأداء
«التكنيك» .. فكثيرا
ما
تمر
علينا
ملامح
شخص
ما..
ولا
نلاحظ
كل
هذا
الزحام
في
تجاعيده.. وربما ظننا أنه
محض
لوحة
مجردة
تمشي
على
الأرض.. الفنان وحده
من يكرس مفاهيم تحمل أكثر من نظرتنا
الأولى أو الخاطفة للأشياء بعيدا عن
الأنماط التقليدية ) .

ما بعد
لندن
.. وما قبل الضوء الأخير ..
صحيح أن وجود الفنان
أحمد ماطر في لندن كان احتفاء بأحد
أعماله التشكيلية.. ولكن هذا على ما
يبدو ليس كل ما ربطه بهذه المدينة منذ
أن قدِم إليها كأحد المشاركين
والزائرين لأول مرة، فهو يصرّ على أن
الأصدقاء.. الفنانين.. اللوحات ..
المتاحف.. الشوارع .. النهر .. والطقس
المتقلب.. أصبحوا جزءا عميقا من سيرته
الذاتية.. وأن هذه الروابط والذكريات
الجميلة التي تشكلت بسرعة أصبحت مصدرا
محفزا على المزيد من الجهد والتحضير
للمشاريع الجديدة.. كما أن رؤية
الحضارات الفنية المتعددة كما يقول
جعله يعود بطاقة أكبر للبحث في موروثه
العميق وتاريخ بلدته الصغيرة لأنه
لابد أن تكون هناك تفاصيل شعبية
وبسيطة من صميم بيئته وحياته لم يلتفت
إليها من قبل .. وأنها قد تكون هي
الفن بذاته .
أما الابتكار فمن وجهة
نظره إبراز
المشاهد العادية التي نمر عليها يوميا
ولا نلحظها، وهو أيضا
البحث
عن
منطقة
لم
تكتشف
من
قبل..
وعن
نافذة
تؤدي
إلى
سماء
خاصة.. يبني قدراته من خلال الإطلالة
منها بنظرة جديدة في
زمن
أصبحت
الصورة
مظهرا
مهما
لثقافتنا .
بقي أن نقول أن الفن
عالم إنساني يفلت من طائلة الطبيعة
حينا ويقترب من الجسد البشري بدائه
حينا.. ودوائه حينا أخرى. وروح كل
فنان هي جزء لا يتجزأ من صميمه..
أسلوبه.. وطرازه الفني الذي يعني
طريقته في تقديم أعماله وتنظيم مادته
.. وفكره وما يختزنه من ثقافة. وهذا
ربما ما يدعوني للقول بأن لأحمد ماطر
أسلوبا وطرازا خاصا به .. جعله قادرا
على التحكم في فنه وفي إنتاج ما يريد
أن يعبر عنه.. حتى أصبحت علاقته
بأعماله وثيقة تبدأ بمزج الألوان ورسم
الضوء ولا تنتهي أبدا بعدسة ينظر من
خلالها.. وإليها نحو العالم .
|